مقالات تقنية

كيف انهارت نوكيا ؟ قصة الليلة الأخيرة قبل سقوط العملاق

نوكيا.. لكل منا شعور خاص عند سماع هذا الاسم، فأغلبنا كان أول هاتف له من هذه العلامة، أو اشترى هو أو أحد أقاربه عدة أجهزة من الشركة. شخصيا، منحتني هذه السويدية أول هاتف وقعت في حبه: Nokia 6230.

مرت الشركة عبر السنين بتطورات جعلتها تصبح المهيمن رقم واحد على سوق الهواتف العالمي لأكثر من عشرية كاملة، بفوارق ملحوظة عن أقرب منافسيها، لكن تطورات أخرى جاءت لتعصف بنجاحها نفسه وتهوي بها إلى زوال.

رغم أن شركة نوكيا عادت مؤخرا إلى إنتاج الهواتف، إلا أن تواجدها مازال محتشما، لكنها بالمقابل أصبحت من أفضل الشركات في مجال شبكات الجيل الخامس 5G حاليا، والحق أن هذا ليس المقام الذي يجدر باسم مثل نوكيا أن يحتله.

ما الذي حدث مع نوكيا موبايل في آخر سنينها؟ هل يقتصر فشلها في شراكتها غير المثمرة مع مايكروسوفت وعدم امتثالها لقواعد السوق؟

في هذا المقال المفصل سنأخذكم في رحلة عبر 155 سنة من تاريخ نوكيا العريق، وما تخلله من مراحل فاصلة في وجودها، وصولا إلى ليلتها الأخيرة، وكل ما حملته من أخطاء وسوء طالع، معتمدين على أرقام وتقارير وتحليلات واعترافات من مسؤولين سابقين داخل الشركة.

 

بداية محتشمة قبل ظهور الهاتف النقال.. وقبل الهاتف الثابت أيضا

رغم أن أول هاتف لنوكيا ظهر سنة 1995، إلا أن بدايات الشركة كانت قبل ذلك بأكثر من قرن، إذ كان ذلك قبل الهاتف الثابت أصلا، ففي 1865 أسسها فريدريك إيدستام وليو ميشلان، بمدينة نوكيا الفلندية، التي أطلق اسمها على الشركة، وكانت تعنى بالصناعات الخشبية. ومع انتشار الثورة الصناعية، نوعت الشركة مجالات عملها، بدخولها في تحالف مع شركات أخرى، فأصبحت تصنع المطاط والأسلاك الكهربائية ومنتوجات أخرى.

مقر نوكيا الأول

استغرق الأمر وقتا طويلا حتى تنتقل الشركة إلى مجال الاتصالات، فبعد دمج المؤسسات المتحالفة تحت اسم نوكيا، انطلق تطوير معدات أجهزة الراديو سنة 1970، مما جعلها الممون الرسمي للجيش الفنلندي بمعدات الاتصال، ومشاركا فعالا في تزويد السيارات المدنية بأجهزة الراديو.

دفع هذا النجاح شركة نوكيا إلى المزيد من التوسع، حيث بدأت تصنع التلفزيونات والحواسيب وغيرها من الأجهزة المتنوعة إلى غاية منتصف الثمانينات، وتخلل ذلك شراء العديد من الشركات الناشطة في المجال.

موبيرا والانطلاق الفعلي

في منتصف الثمانينيات، وقع أول حدث مفصلي ساهم في تبلور صورة نوكيا التي نعرفها، حيث استحوذت على شركة لصناعة الهواتف تدعى موبيرا، والتي سبق وأن صنعت عدة هواتف للسيارات، وكانت تبحث عن طريقة تجعل الهواتف نقالة بالفعل، وليس فقط في السيارات.

أثمرت الشراكة عن جهاز ذي أهمية كبيرة، وهو هاتف Cenator، الذي صدر تحت اسم موبيرا، والذي كان جهازا نقالا لكنه كان كبير الحجم بشكل مفرط، فكان يزن 10 كيلوغرام، واقتصر استخدامه على الشخصيات الكبرى، مثل رؤساء الدول.

صدر بعد ذلك هاتف نقال حقيقي يدعى Cityman سنة 1987، واستهدف بدوره الشخصيات الكبرى ورجال الأعمال، وبقيت الشركة تصدر نسخا جديدة من الجهاز في كل مرة.

ميخائيل غورباتشوف يجري اتصالا بواسطة هاتف Cityman 900 الهاتف شاعت تسميته بـ “Gorba”، تيمنا يالزعيم السيوفيتي

لعبة الأفعى وتصدر السوق العالمي بنهاية الألفية

مع بداية التسعينيات، قررت الإدارة بيع كل أقسام المؤسسة والتركيز فقط على الهواتف، وأصبحت أول شركة تطلق هاتفا يعمل بشبكة GSM وهو Nokia 1011، وأول شركة يجرى من خلالها اتصال هاتفي نقال باستخدام الشبكة ذاتها، وذلك من طرف رئيس الوزراء الفنلدني سنة 1991.

رئيس الوزراء الفنلندي يجري أول اتصال بتقنية GSM

هواتف ثورية

هاتف Nokia 1011 كان جهازا ثوريا آنذاك، لكنه كان يفتقر لعدة ميزات، فمثلا لم يكن يتيح إرسال SMS، فضلا عن وزنه الذي بلغ 500 غرام وسعره الخيالي.

أول هاتف صدر لنوكيا بشكل تام، أي بعد الاستحواذ الكامل على موبيرا كان Nokia 2110، ومعه ظهرت الرنة التاريخية للشركة.

كل هواتف الشركة كانت جيدة في تلك السنوات، من 8110 سنة 1996 إلى 3110 في 1997، لتأتي سنة 1998 وتؤسس للعبة تاريخية هي Snake، والمعروفة باسم لعبة الأفعى على هاتف Nokia 6110، متزامنة مع حدث مهم جعل اللعبة فأل خير على الشركة، ألا وهو وصولها للمرة الأولى لريادة السوق العالمي، مزيحة موتورولا من طريقها، ومسجلة 100 مليون جهاز مباع.

صدر في العام نفسه هاتف Communicator الشهير، الأول من نوعه الذي يتيح الاتصال بالإنترنت، وذلك عن طريق ربطه بموديم، وهز جهاز أعجب به بيل غيتس بفسه، فاشتراه للعشرات من موضفي مايكروسوفت آنذاك، ولعل هذا من سخرية القدر، حيث انتشرت إشاعة حينها تفيد أن مايكروسوفت تنوي شراء نوكيا، وهو ما حدث بالفعل، لكن بعد 15 سنة، وبعد انقلاب الوضع رأسا على عقب.

لم تقتصر الشركة على الهواتف الموجهة لرجال الأعمال، بل نظرت أيضا إلى الشباب، فوفرت أجهزة ناجحة بسعر معقول، مثل Nokia 3210 و Nokia 5110.

تعد التسعينات فترة زاهية في تاريخ العملاق الفنلندي، الذي بدأ بالفعل  يتحول إلى عملاق آنذاك، محققا نموا من حيث الأرباح من 1 مليار دولار في بداية العشرية إلى 4 مليار دولار بنهايتها.

Symbian LTD والهيمنة التامة في مطلع الألفية

في ظل ابتعادها عن المنافسين بفارق مريح، بحصة سوقية تفوق 30% وأرباح مضاعفة أربع مرات، وعدد عمال فاق 55 ألفا، ومبيعات تجاوزت 20 مليار دولار، وتواجد في أكثر من 120 دولة عبر العالم، استهلت نوكيا الألفية الجديدية بالاستحواذ على مؤسسة برمجيات صغيرة تدعى Symbian LTD، في خطوة مهدت لهيمنتها التامة على السوق بفضل تميزها البرمجي.

طرحت الشركة عام 2002 أول هواتفها ذات الشاشات الملونة، وذلك بإعادة إنتاج عدد من الأجهزى التي كانت متواجدة في السوق، مع تغيير شاشاتها، وكان من هذه الهواتف Communicator نفسه.

وظهر في هذه الفترة أول هاتف يمكن أن نسميه ذكيا، وهو Nokia 7650، بفضل نظام تشغيل Symbian، الذي يتيح إمكانية تخصيص الصور ومشاركة الملفات عن طريق البلوتوث، وتغيير النغمات والخلفيات، بالإضافة إلى كونه سريعا نسبيا وجميلا.

نظام Symbian أصبح سر نجاح هواتف نوكيا وميزتها الأهم مقارنة بمنافساتها، فأضحت هواتفها تتطور بسرعة، فسرعان ما صدر أول هاتف في العالم مزود بكاميرا، وهو نسخة من 7650، ثم Nokia 6600 الشهير، فـ 3650 و 6620 و 6230، المزودة بمعالجات أقوى، سمح لها التظام المتطور بتسجيل الفيديوهات واستخدام ذاكرات خارجية ويشغيل الراديو وتحميل الألعاب.

نجاح نوكيا وراحتها في تلك الفترة أتاحا لها إصدار هواتف غيريبة، مثل Nokia 7600، الذي كان أول هاتف بتقنية 3G في العالم، و Nokia N-Gage سنة 2003، الذي يعد أول هاتف مخصص للألعاب في التاريخ، رغم أنه لم يسجل ذلك النجاح، بسبب تصميمه الذي كان عبارة عن خليط من جهاز ألعاب محمول مع هاتف نقال.

شراكة مثمرة مع Carl Zeis لتثبيت الهيمنة

أقدمت نوكيا سنة 2005 على خطوة كانت مفيدة جدا لها، حيث أبرمت عقد شراكة مع مؤسسة Carl Zeiss للكاميرات، فكان ذلك ميلادا لسلسلة N الشهيرة الناجحة، والتي كانت هواتفها بمثابة الهواتف الرائدة حاليا، والتي كانت كل عام تحصد جوائر أفضل الكاميرات الهاتفية، بما أنها كانت مزودة بمستشعرات من Carl Zeiss،


 اقرأ المزيد: بعد أن عرى تخلفها الكبير.. كورونا فرصة الجزائر للنهضة التكنولوجية

ثم جاء الآيفون..

وقع في 2007 حدث نعرفه جميعا، حدث أعاد تشكيل صناعة الهواتف كليا. الكشف عن الآيفون أثر بالسلب أو بالإيجاب على جميع الشركات الناشطة في المجال آنذاك، وحتى نوكيا لم تكن في منأى عن ذلك.

مباشرة بعد إطلاق الآيفون، قررت نوكيا الرمي بكل ثقلها لقتل هذا المنافس المزعج في مهده، فأجرت تحديثات بالجملة لكل هواتفها من سلاسل N و E، بل وحتى Communicator، وأطلقت خلال السنتين المواليتين أكثر من 80 هاتفا.

شراكة مع إنتل لقتل آيفون

أعقب صدور آيفون تحركات حثيثة من الشركات المنافسة، ففي السنة الموالية أصدرت جوجل نظام أندرويد، ودخلت العديد من الشركات غمار تصنيع الهواتف، بينما كانت بلاك بيري تواصل زحفها، متربعة على 25% من السوق العالمي، ومهددة قطعة نوكيا، التي كانت ما تزال تمثل 50% من إجمالي السوق العالمي آنذاك.

في الوقت نفسه، أبرمت نوكيا عقد شراكة مع إنتل لتصنيع نظام تشغيل ينافس iOS وأندرويد، لكنهما فشلا معا في إصدار هذا النظام في الوقت المناسب، واستغرق الأمر حتى سنة 2011 لإطلاق هاتف N9 بنظام MeeGo الجديد، الذي جلب عدة ميزات ثورية، مثل أزرار التنقل المدمجة والإيماءات والدوران التلقائي.

الغريب في الأمر أن السنوات الأربع التي استغرقها تطوير النظام والجهاز تم نسفها من طرف الشركة عند إطلاقه، حيث صرحت حرفيا أن هاتف N9 هو أول وآخر هاتف سيشتغل بنظام MeeGo، مما جعل المطورين يحجمون عن المساهمة في متجر تطبيقاته.

المحير في الأمر أكثر أن الشركة لم تكن تملك أي بديل، فعادت لاستخدام نظام Symbian القديم، وأضافت له بعض التحسينات المحتشمة، مثل متجر OVI للتطبيقات، وتعرضت بذلك كل هواتفها للفشل، مقابل التطور السريع لكل من جوجل وآبل وبلاك بيري، مما تسبب في فقدان نوكيا لـ 10% من حصتها السوقية كل سنة، ابتداء من 2008.

حاولت الشركة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وغيرت مديرها التنفيذي سنة 2010، مستعينة بالكندي ستيفن إيلوب، أول مدير  لها من خارج فنلندا، وأثمر ذلك عن جعل نظام Symbian مفتوح المصدر، مع إصدار هواتف بنظام MAEMO، الذي كان قبل ذلك مخصصا للأجهزة اللوحية وأجهزة الملاحة المخصصة للسيارات منذ 2005.

 

هكذا رفضت نوكيا التعامل مع جوجل.. بداية الانحدار

سمحت الإدارة الجديدة لنوكيا بإنشاء هواتف بأي نظام تشغيل من كل الأنظمة المتوفرة داخل الشركة، بل وحتى الأنظمة المطورة من شركات أخرى، بشرط واحد هو أن لا يكون أي من هذه الأنظمة أندرويد.

حسب بعض التسريبات التي ظهرت بعد انهيار نوكيا، كانت هذه الأخيرة في مفاوضات مع جوجل لاستخدام أندرويد مثل باقي العلامات، لكنها اشترطت على الشركة الأمريكية أن يبقى النظام لها حصريا، أو أن تعامل معاملة خاصة فيكون من نصيبها قبل الشركات الأخرى، لكن هذه الشروط قوبلت بالرفض من طرف جوجل.


 اقرأ المزيد: أسوأ الهواتف في الجزائر.. لا تشتري قبل القراءة [ماي 2020]

الكبرياء الزائد الذي تعاملت به نوكيا مع عرض جوجل حصر جميع خياراتها، في وقت تراجعت فيه كل أرقامها، فانتقلت من بيع 500 مليون هاتف في سنة، ومداخيل تقدر بـ 50 مليار يورو وصافي أرباح بـ 8 مليار يورو وحصة سوقية تزيد عن 30% إلى خسائر بـ 1 مليار يورو سنة 2011.

 

التخبط مع مايكروسوفت

في سعيها اليائس للتموقع، أعلنت نوكيا عن شراكة جديدة، هذه المرة مع مايكروسوفت، تستفيد من خلالها من نظام ويندوز وتصبح هواتفها منصته الرئيسية، ومنه تحصل مايكروسوفت على موضع قدم في سوق الهواتف مع شريك قوي له اسمه البارز، وتعيد نوكيا إحياء حظوظها في المنافسة، بنظام تشغيل جاهز، له اسمه هو الآخر. هذه الخطوة أنهت وجود نظامي Symbian و MeeGo بالإضافة إلى كل السلاسل الناجحة السابقة لنوكيا، مثل N و E.

بجانب ذلك، واصلت نوكيا رغم ذلك استخدام نظام Asha الخاص بها في بعض الهواتف الموجهة لفئة الشباب، والتي تحمل نفس اسم المعالج، والتي رغم أنها لم تكن مهمة جدا ولا غالية إلا أنها حققت بعض النجاح النسبي.

وجاء للعالم سنة 2011 أول هواتف نوكيا بنظام ويندوز، ويتعلق الأمر بكل من Lumia 710 و Lumia 800، قبل أن يأتي أول هاتف رائد بالنظام نفسه، وسمي Lumia 920، وضم تقنية الشحن اللاسلكي لأول مرة في تاريخ صناعة الهواتف.

 

سامسونج تزيح نوكيا من الصدارة لأول مرة ونهائيا

رغم صدور بعض الهواتف الحسنة على الورق، إلا أن نوكيا عرفت في هذه الفنرة أسوء نتائجها المالية، مع تواصل صعود منافسيها السريع، حيث تمكنت سامسونج لأول مرة أن تزيح نوكيا من كرسي ريادة مصنعي الهواتف ونهائيا، بعد أكثر من عقد من الهيمنة.

في مواجهة هذه الصفعة المهينة، أصدرت نوكيا هاتف Lumia 925، الذي علقت عليك كل آمالها باعتباره هاتفا رائدا يحمل أحسن عتاد ممكن، فضلا عن تصميم مبتكر، مهدت به لتغيير لغة تصميمها في جميع الأجهزة، وهذا بالضبط مازاد الطين بلة، فلغة التصميم تلك لم ترق للمستخدمين وتسببت في فشل العديد من تلك الأجهزة.

 

مالا يعرفه الكثيرون: هاتف سري بنظام أندرويد من نوكيا

دفع الفشل الذريع في مواجعة انفجار سوق الهواتف عام 2013، إلى إطلاق مشروع سري لتطوير جهاز بنظام أندرويد دون علم مايكروسوفت.

عام 2013 يعد لحد الساعة أغنى عام من حيث التطور في عالم الهواتف ومن حيث التنافسية بين مختلف الشركات، اكتشفنا فيما بعد الهاتف البائس الي كانت تحاول نوكيا المنافسة به، وهو هاتف أندرويد أصدر لاحقا، به نسخة غير مرخصة من جوجل وواجهة مستخدم تشبه واجهة مايكروسوفت، وشاشة باهتة وتصميم سيء، فضلا عن غياب كل خدمات جوجل، وأهمها متجر بلاي ستور، التي استبدلت بخدمات نوكيا.

نوكيا ترفع الراية البيضاء في عز اشتداد المنافسة

بعد فشل 2013، أصبح من الواضح أن شراكة مايكروسوفت ونوكيا لن تكون مثمرة أبدا، فالأولى أضحت تخشى تحول شريكتها إلى أندرويد، والثانية أنهكتها خسائرها المالية، فقررت رسميا بيع قسم الهواتف لديها لمايكروسوفت بقيمة 5,4 مليار يورو فقط.

استسلام عملاق صناعة الهواتف سنة 2013، جعله ينسحب من صخب السوق وأضوائه ويتفرغ إلى هدوء مجال تطوير الاتصالات اللاسلكية، مع ترك نوكيا موبايل تحت تصرف مايكروسوفت، والغريب أن مايكروسوفت قررت بعد عام التخلي عن تسمية نوكيا في هواتفها، وباعت الاسم بمبلغ زهيد قدره 350 مليون يورو. هو مبلغ زهيد لأن الشركة نفسها قدرت قيمتها قبل عشر سنوات بـ 300 مليار دولار.

بيع الاسم كان لصالح شركة نوكيا الأم، لكنه تم فقط بالنسبة للاسم التجاري، حيث لا يمكن لنوكيا بموجب عقد الشراء أن تنتج أي هاتف دون العودة إلى مايكروسوفت.

بلغت خسائر نوكيا في هذه الفترة 4,7 مليار دولار، كما تمت إحالة 8 آلاف عامل من نوكيا موبايل إلى البطالة من طرف مايكروسوفت.

تفرغت نوكيا للعمل على شبكات الهاتف، فاشترت شركة Alcatel Lucent الفرنسية، لمافسة هواوي وإريكسون في تطوير شبكات الجيل الخامس، وأصبحت حاليا تحتل المرتبة الثالثة عالميا ضمن الشركات الناشطة في هذا المجال.

ولم يقتصر نشاط نوكيا على هذا الحد، إذ أنها بدأت منذ 2014 تصنيع بعض الأجهزة، كالكاميرات وغيرها, بينما استفادت مايكروسوفت من قسم الهواتف السابق لنوكيا وأعادت تسميته ليصبح مايكروسوف موبايل.

تفاجأ الجميع سنة 2015 بصدور جهاز لوحي من علامة نوكيا، وهو أول جهاز في العالم يحمل منفذ USB Type-C، لكنه لم يكن يحمل من نوكيا إلا الاسم، إذ تم تصنيعه تحت ترخيص لاستخدام الاسم من طرف مصنع Foxconn.

 

العودة مع HMD وأندرويد

في نهاية 2016، أقدم  جون فرونسوا باريل، وهو أحد مديري نوكيا السابقين بتأسيس شركة جديدة باسم HMD، وطلب من مايكروسوفت ترخيصا لإنتاج الهواتف تحت اسم نوكيا التجاري، ثم تحصل على موافقة مصنع Foxconn لإصدار هذه الهواتف، ليظهر للوجود سنة 2017 أول هواتف نوكيا بعد عودتها. Nokia 6 كان يشتغل بنسخة رسمية من نظام أندرويد الخام، في خطوة من شأنها تسريع التحديدثات وتفادي تعقيدات التصميم والتطوير وتوفير نظام أكثر ثباتا وسلاسة.

Nokia 6

ولعل أهم هاتف صدر في تلك الفترة هو Nokia 3310 الشهير والتاريخي، الذي أعيد إحياؤه من جديد ليذكر الناس لماهية نوكيا وبأنها عادت ثانية.

نوكيا 3310 الجديد

أعادت شركة HMD العديد من عمال نوكيا السابقين إلى مناصبهم، وأخذت تطلق عددا من الهواتف في فترات مختلفة، أغلبها هواتف متوسطة أو اقتصادية، مع تواجد بعض الأجهزة الرائدة، تحمل أسماء توحي إلى هواتف قديمة قوية.

ورغم أن نوكيا بنسخة HMD الحالية مازالت لم تقدم أي هاتف مبهر في أية فئة سعرية، إلا أنها بدأت شيئا فشيئا تعودنا على وجودها، وتبرهن لنا أنه ما يزال بإمكانها تقديم أجهزة متينة ومحترمة ومقبولة السعر، ومازالت تتعافى شيئا فشيئا من خسائرها الاقتصادية حيث أصبحت تسجل نموا بـ 20% من سنة لأخرى، وهي تمضي قدما ولسان حالها يقول “مازالني على ديداني”.

 

اعترافات من داخل الشركة

بعد أشهر من بيع قسم الهاتف النقال لدى نوكيا وخروجها من السوق نهائيا، بدأت تنتشر تسريبات لمراسلات داخل الشركة، يذكر فيها المدراء صراحة أسباب فشلهم.

بدى في الكثير من المرات أن السبب الرئيسي لمآل نوكيا كان الجانب البشري، فعمال الشركة أصابهم في وقت ما الغرور والاعتداد بالنفس والكسل، كما نخر التملق جسد المؤسسة، بموظفين أفرطوا في شكر سياسات المدراء وامتنعوا عن تبيان الحقيقة لهم.

في الأسطر التالية مقتطفات لبعض الاعترافات المسربة من داخل الشركة:

  • “تم شحن أول آيفون سنة 2007، أما نحن فإلى الآن مانزال لا نملك أي هاتف يقدم تجربة مقاربة لتجربة آيفون. أندرويد صدر منذ سنتين، وهاهو يطيح بنا هذا الأسبوع من صدارة المبيعات، هذا لا يصدق” – مراسلة داخلية من المدير التنفيذي ستيفن إيلوب إلى العمال سنة 2010.
  • “لدينا مصادر رائعة للإبداع داخل نوكيا، لكننا لا نوصلها بشكل سريع إلى السوق. نعتقد أن MeeGo سيصبح منصة للهواتف الرائدة، لكننا بهذا النسق لن نتمكن في 2011 إلا من إصدار هاتف واحد بنظام MeeGO” – ستيفن إيلوب للعمال.
  • “برهن Symbian أنه بيئة صعبة جدا على المطورين لتلبية رغبات المستخدم” – إيلوب للعمال.
  • “لقد سكبنا البنزين على بيتنا المحترق. أعتقد أننا تنقصنا روح المسؤولية والقيادية لتوجيه الشركة في هذا الزمن المضطرب. لقد مررنا بسلسلة من الإخفاقات ولم نقدم الجديد في الوقت المناسب. نحن لا نتعاون داخليا. نوكيا.. شركتنا تحترق” – إيلوب للعمال.
  • “هنالك حرارة عالية قادمة من منافسينا بسرعة أكبر مما كنا نتوقع. آبل قلبت السوق بإعادة صياغة مفهوم الهاتف الذكي، واستقطاب المطورين إلى بيئة عمل مغلقة لكنها قوية للغاية” – إيلوب للعمال.
  • “كنا نعلم بأمر الآيفون قبل صدوره بسنة، كما كنا نعرف العديد من مواصفاته، وأهم شيء أثار انتباهنا هو أننا لم نكن نملك أي شاشة لمس ولم نكن نعمل على تطوير إحداها” – تصريح لمدير متوسط منشور في بحث علمي بجامعة جونسن كورنيل (المصدر أدناه).
  • “لم يكن بإمكاني القول أمام الجميع أن نظام Symbian كان سيئا وعلينا تغييره بـ MeeGo في أقرب وقت، لأنني كنت أخشى الأثر السلبي على مبيعات Symbian. مؤسستنا يجب أن يكون لديها الإيمان بنفسها. يجب عليك أن تثق بالسلاح الذي تحمله، لأنه الوحيد المتوفر” – مدير متوسط في نوكيا من قسم التطوير.
  • “المدير متعود على الانزعاج من أي شخص يقول له أن الأمور لا تسير بشكل جيد. لقد كانت لديه طريقته الخاصة في جعل الجميع يقولون أن كل شيء على ما يرام” – مدير متوسط من قسم التطوير.
  • “نقد المؤسسة كان ينظر إليه بشكل سلبي. الفكرة السائدة كانت أن الشخص الذي ينتقد العمل هو شخص ذو انتماء ناقص نحوها” – مدير متوسط من قسم الموارد البشرية.
  • “حتي في بداية الألفية، تم تغيير نظام المبيعات، بشكل جعل الرابط بين الزبون والشركة غير واضح. أصبح هنالك حاجز بين الزبون وفريق تطوير النظام لدينا، وهذا ما قضى على الشفافية، وحتى على الحماس” – مدير متوسط من قسم التطوير.
  • “كل صباح كانت لدينا استراتيجية جديدة، كل صباح كانت لدينا زاوية جديدة، تماشيا مع ما يقوله نائب الرئيس المسؤول على القسم، وهكذا كانت الإدارة الجديدة” – مدير متوسط من قسم التطوير.
  • “كانت نظرتنا لسلع منافسينا خاطئة تماما ما بين 2005 و 2008، وقد كان الناس هنا لا يعرفون إلى أي مدى أندرويد وآيفون كانا جيدين. لقد كانت مجموعة صغيرة منا فقط من تعرف مدى تطور منافسينا، ولقد جاءتهم المعلومات من خارج الشركة” – مسؤول متوسط.

هذه كانت أخطاء نوكيا في آخر أيامها

بعد كل ما رأيناه عبر تاريخ الشركة، من عز هيمنتها في التسعينات إلى غاية استسلامها في 2013، مرورا بالاعترافات المؤسفة المسربة من داخل الشركة، يمكننا تلخيص أهم العوال التي قادت عملاق الصناعة الهاتفية إلى الانهيار:

  • عدم التأقلم مع التطورات
    رغم كون نوكيا من أوائل صانعي الهواتف الذكية (نظام Symbian عام 2002) إلا أنها فوتت فرصة الالتحاق بقطار التقدم التكنولوجي السريع الذي استبدل الهواتف التقليدية بالهواتف الذكية. وهذا راجع الى استمرارها في إعادة إنتاج النسخة القديمة من نظامها، في حين منافسيها قدموا أحدث وأفضل أنواع الهواتف الذكية، معتمدة على أنظمة تشغيل مبتكرة.
  • الغرور المفرط بالريادة
    احتلت الشركة المركز الأول في سوق صناعة الهواتف المحمولة بعد اطلاقها Symbian فاعتمدت على شهرتها هذه بدون القيام بأي مجهودات إضافية للحفاظ على مكانتها، فكانت المفاجأة ظهور آيفون عام 2007 الذي قلب الموازين وأفقدها شهرتها.
  • المنافسة الشرسة
    ظهرت شركات مثل أبل وسامسونغ وبلاكبيري ونوكيا كرواد في سوق صناعة الهواتف الذكية ، مما أدى إلى خلق منافسة قوية خسرتها نوكيا بسبب عدم تحديثها لخدماتها.
  • الصورة الثابتة عند الزبون
    عرّفت نوكيا باعتبارها كواحدة من أفضل شركات الهواتف المحمولة. لكن صورتها بقيت نفسها في ذهن المستهلك لم يتطرق عليها أي تغيير، فكلنا نتذكر لعبة الثعبان التاريخية، ولكن لا أحد سيشتري هاتفا فقط بغرض الحصول على اللعبة. هنا يظهر أن الشركة لم تجاري تيار التغيير التكنولوجي ولم تفكر في انشاء صورة حديثة لها عند المستهلك ولا في عامل ظهورها بحلة جديدة مميزة في ساحة المنافسة.
  • عدم إعادة تنظيم الوضع
    يتعلق مصطلح إعادة التنظيم بمجال التسويق حيث يشير إلى تغيير الصورة الحالية للعلامة التجارية أو الشركة إلى صورة أحدث من خلال ابراز ميزاتها وإنجازاتها الجديدة. لكن نوكيا لم تتخد هذا القرار في الوقت المناسب فكان هذا أحد الأخطاء التي أدت إلى فشلها.
  • الافتقار إلى الاستراتيجيات
    لم تتحكم شركة نوكيا بخطة معينة في مجال التسويق لهواتفها بل تركت عملاءها في الظلام بالنسبة لمنتجاتها، عكس منافستيها آبل وسامسونج، الليان تحكمتا فيها بطرقة مثالية. فمثلا، تطلق كل شركة هاتفا رائدا واحدا كل عام، وتبقي زبائتها ينتظرون صدور النسخة القادمة منه في العام المقبل، وهو ما لم يحدث عند نوكيا، التي لم تعرف لها أية سلسلة ثابتة من الهواتف.
  • غياب اللمسة الإبداعية
    لم تستطع الشركة مجاراة النمو السريع في مجال التكنولوجيا لذا وجب عليها الاختيار بين الإبداع و الظهور في السوق التجارية أو الاستثمار في نموها أكثر، ونتيجة لقرارها لم تكن لقسم البحث والتطوير في الشركة أية موارد للعمل مما أدى إلى قصر في انشاء أحدث الهواتف الذكية.
  • تغيير الهيكل التنظيمي باستمرار
    قامت نوكيا بتغيير بنيتها التنظيمية قصد تسريع انتاجها ولكن هذا القرار لم يكن موضع ترحيب من قبل جميع الأطراف المعنية في الشركة، مما أدى بمغادرة بعض أعضاء إدارتها العليا. وكان هذا أحد الأخطاء التي أدت سقوطها فهي لم تستطع الاستمرار بدون أوراقها الرابحة.
  • الخصومات الداخلية
    عرف أعضاء ورؤساء شركة نوكيا افتقارا في تنسيق العمل فيما بينهم مما أدى إلى ظهور عدد من القضايا التشغيلية. لم تؤثر هذه الخصومات على الشركة لكنها ساهمت بشكل غير مباشر في سقوطها.
  • قصور النظرة الاستشرافية
    يمكن للقائد ذي النظرة المثالية للمستقبل أن يحول مشاكل شركته إلى حلول تؤدي إلى مستقبل مشرق. لم يكن هذا هو الحال بالنسبة لنوكيا وهذا لافتقارها للرؤية الواضحة لمستقبلها حيث أنها اكتفت بالنجاح قصير الأجل متجاهلة السوق الواسعة. وقد أفسح ذلك، المجال أمام الشركات الجديدة والمنافسين للدخول إلى السوق ولمس آفاق جديدة ونطوير ماركات أقوى.
  • الاكتفاء بنجاح واحد
    بمجرد أن تحقق الشركة قدرا كبيرا من النجاح، أغلب العاملين يشعرون بالرضا عن الذات ولا يركزون على العمل. وهذا الموقف يقلل من كفاءة الشركة نتيجة لذلك، لذا تراجعها كان أمرا لا شك فيه.
  • المبالغة في تقدير قوة العلامة التجارية
    هناك عامل آخر مهم يمكن اعتباره سببا لانهيار نوكيا، وهو أن الإدارة بالغت في تقدير العلامة التجارية. فاستمرت إدارة الشركة في الاعتقاد أن الناس سيستمرون في شراء المنتجات المصنعة تحت اسم علامتها التجارية بصرف النظر عما تنتجه الشركة. كان ذلك صحيحا إلى حد ما. ولكن مع طرح منتجات أبل ودخول علامات تجارية أخرى مثل هواوي وزتي تي إي، لم يكن المشترون على استعداد لشراء منتجات نوكيا.

 

رغم أن نوكيا قد لن تعود لسابق عهدها أبدا، أو أنها قد تعود بعد زمن طويل، بل حتى أن عودتها لن تفيدك ولن تفيدني في شيء، ولا خسارتها ستضرك أو تضرني في شيء، إلا أن وجود نوكيا وتطورها جعلنا سعداء بطريقة ما، فاسمها شكل جزءا من ذكرياتنا، وجزءا من زمن جميل، لكل واحد منا ذكرياته فيه. نوكيا مثل زين الدين زيدان، سواء كنت مشجعا لريال مدريد أو برشلونة، لجوفنتوس أو ميلان، لبوردو أو ليون، لا يسعك إلا أن تحبه، وهكذا حال نوكيا منذ التسعينات، ليس لديها من يكرهها، فحتى منافسوها مدينون لها بأنها كانت يوما ما سببا في جعلهم يبذلون أقصى جهودهم حتى يصلوا إلى ما هم عليه.

 

مصدر1   مصدر2   مصدر3   مصدر4   مصدر5   مصدر6   مصدر7   مصدر8   مصدر9   مصدر10   مصدر11

بهاء الدين آيت صديق

صحفي محترف … هدفي جعل هذا الموقع الأفضل عربياً.

مقالات مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى