مقالات تقنية

بعد أن عرى تخلفها الكبير.. كورونا فرصة الجزائر للنهضة التكنولوجية

طوابير لا متناهية أمام مكاتب البريد لاستلام الرواتب.. توقف تام للدراسة في كل المستويات.. تجميد عمل الموظفين في العديد من المجالات.. محلات تضع القطع النقدية في ماء جافيل! هكذا كان حال المدن الجزائرية في أول أيام تعرفها على جائحة كورونا، بل وما زالت لحد الآن بعد مرور عدة أسابيع تعاني مشاكل مشابهة، كان بالإمكان تفادي الكثير منها لو حققنا فعلا تلك الوعود بالرقمنة والانتقال التكنولوجي التي ما فتئنا نسمعها على مدار أكثر من 10 سنين.

2007.. البداية

نجد أن أول من بدء يستخدم مصطلح الرقمنة ويطالب به هم الأكاديميون، الذين بدؤوا منذ سنة 2007 تقريبا يحاولون إيجاد سبل لرقمنة المكتبات وتسهيل الوصول إلى المعلومات الموجودة فيها، واليوم، وبعد 13 سنة، تحقق القليل من هذا في بعض الجامعات، لكنه لم يعمم، كما قامت وزارة التعليم العالي سابقا بالإعلان عن منصة رقمية للتعليم عن بعد، منصة انتظرناها طويلا، لكننا عند الحاجة إليها لم نجدها، حيث أظهر كورونا أن التعليم عن بعد ممكن في الجزائر، لكن فقط عبر مبادرات فردية أطلقها بعض الأساتذة والجامعات، وذلك باستخدام وسائل بسيطة، مثل برنامجي Skype و Zoom.

الذهبية وحلم الدفع الإلكتروني الذي لا يريد أن يتحقق

نتذكر جميعا إطلاق بريد الجزائر للبطاقة الذهبية، تلك البطاقة البنكية التي قدمت على أنها الحل لجميع مشاكلنا، رغم أنها لم تكن أول بطاقة من نوعها في الجزائر، لكن بما أنها تابعة لمؤسسة ينتسب إليها أغلب الجزائريين، استبشر الجميع خيرا بقدومها، ومع الأسف، اقتصر استخدامها حرفيا على استخراج الأموال من الموزعات على مدار ثلاث سنوات كاملة.

فيروس كورونا البطاقة الذهبية هدى فرعون بيرد الجزائر

بقي الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية حبرا على ورق لسنوات، وحتى القانون الذي جاء سنة 2018 لينظم التجارة الإلكترونية زاد الأمور تعقيدا، بفرضه العديد من القيود على النشاط، هذا بالإضافة إلى عدم توفر أجهزة TPE للدفع الإلكتروني لدى المتاجر، مما جعل هذا النشاط مجرد ترف، لا يرقى لأن يكون اعتماديا.

كورونا جعلنا نتمنى لو أن جميع المواطنين يعرفون كيفية استعمال الخدمات البنكية والبريدية الإلكترونية، مما كان بإمكانه أن يجنبنا الازدحام في الشبابيك والتعامل بالقطع النقدية غير المعقمة والفشل في تبادل الأموال فيما بيننا، وبالتالي كبح انتشار الفيروس بشكل كبير.

عرى كوفيد-19 التباين الكبير في التغطية بالإنترنت بين مختلف المناطق في وطننا الشاسع، فالساكن في التجمعات السكانية الكبيرة في المدن الكبرى ليس مثل الساكن في قرية نائية، وهنا ظهر العائق الكبير في وجه التعليم عن بعد، ففي المناطق الأسوء تغطية، حتى المبادرات الفردية للأساتذة لم تصل للتلاميذ، لا عبر Skype ولا عبر أية وسيلة أخرى، ولعل هذا المشكل بالذات سيجعلنا نعلم أن الإنترنت ليست من الكماليات وليست مجرد ترفيه، بل دعامة لفعل أساسي في تنشئة رجل الغد ودولة الغد.

بوادر تدعو للتفاؤل

“أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا”، نتمنى أن يكون هذا حال الجزائر، فرغم أن التخلف التكنولوجي لا غبار عليه، ولا يمكن تجاوزه في أيام، إلا أن الحال عرفت تغيرا ملحوظا نحو الأفضل إذا قارنا أول أيام الحجر الصحي بآخره.

تم يوم 19 أفريل عقد أول مجلس وزراء بتقنية التحاضر عن بعد، وقبله أجري اجتماع للحكومة بالطريقة نفسها، بعدما كانت بعض الفعاليات المماثلة تجري بطريقة عادية في أول أيام تفشي الفيروس بالجزائر، مما يبرز تكيف المسؤولين في أعلى هرم السلطة مع مقتضيات المرحلة.

لا حظنا أيضا أن المؤسسات الخاصة والعمومية شرعت في تبني العمل عن بعد فيما يخص الأعمال التي يمكن تنفيذها دون تنقل، رغم أن الكثير من تلك المؤسسات عرفت حالة تخبط كبيرة في بادئ الأمر، ليستقر الوضع فيما بعد.


اقرأ المزيد: الحجر المنزلي: دليل النجاة التقني في مواجهة فيروس كورونا

أما أهم نقطة تم تسجيلها في هذه الفترة، فهي مبادرة مؤسسة بريد الجزائر، التي شرعت في توفير أجهزة الدفع الإلكتروني مجانا للتجار والمتعاملين الاقتصاديين، مما سيسرع التحول المنشود نحو الدفع الإلكتروني، علما أن المؤسسة نفسها كانت قد أعلنت سابقا عن توفير مثل هذه الأجهزة، لكنها لم تفلح في بيع الكثير منها.

وتبقى الشركات الناشئة التي يتمحور وجودها حول التقنية بمختلف أنواعها هي الأقدر على التكيف مع المرحلة، لما أنها هي المدعوة أكثر من الجميع لإبراز قدراتها ولعب دور قيادي فيها، وهنا تظهر بعض المؤسسات التي كانت بالفعل مفيدة للمواطن، مثل ELCS Research لصاحبها لطفي مخناش، والتي طورت منصة رقمية لتتبع الحالة الوبائية لفيروس كورونا بالجزائر، والتي تم اعتمادها رسميا من طرف وزارة الصحة، أو حتى مؤسسة YA Technologies المالكة لتطبيق Yassir، التي توفر خدمة شراء أي سلعة وتوصيلها مع الدفع عن البعد.



التحول إلى الاقتصاد الرقمي، ولو بشككل جزئي، أصبح حتمية في وقتنا الراهن بإجماع المختصين في عالم الاقتصاد، وهو مهمة منوطة بالشركات الناشئة في المقام الأول، خاصة مع الانهيار السريع لأسعار البترول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن للشركات الناشئة أن تساهم من خلال خدماتها ومن خلال الدفع الإلكتروني في استرجاع أموال الاقتصاد الموازي، التي يكدسها أصحابها خارج البنوك.

في الختام، قد يكون فيروس كورونا كابوسا أرعب مجتمعنا، وسرق منا أرواح المئات من إخواننا، لكنه على الأقل فتح أعيننا أمام حقيقة تقول أن الدراسة والعمل عن بعد والدفع الإلكتروني والتحكم التكنولوجي حتميات ملحة، وليست خيارات او مجرد ترف، وأن التأخر والمماطلة في تنفيذ المشاريع وفي إجراء التغييرات في زمن الرخاء ينجر عليها كوارث في زمن الشدة.

بهاء الدين آيت صديق

صحفي محترف … هدفي جعل هذا الموقع الأفضل عربياً.

مقالات مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى